بشار الأسد (و ماهر خوه خاصة) سفاح دموي و يجب خلعه، لا شك في ذلك. حزب البعث نظام وحشي ظالم و يجب اسقاطه، هذا أكيد. الثورة السورية بدأها الشعب السوري الطامح إلى الحرية و القضاء على الإستبداد، و يجب مساندته في مطالبه، هذا واجب.
لكن في المقابل، يبدو جليا لكل مراقب يقظ أن ما يحصل الآن في سوريا من نزاعات مسلحة و التغطية الإعلامية الحافلة بالتهويل و الفبركة لقناتي الجزيرة و العربية (يعني قطر و السعودية) مع إحتضان تركيا و قطر (حلفاء أمريكا الإستراتيجيين في المنطقة، حاضنو قواعدها العسكرية) للمعارضة السورية، كل هذا يبرز أن سيناريو ليبيا بصدد التكرار، و أن الولايات المتحدة الأمريكية تواصل تشكيل خارطة الشرق الأوسط الجديد، و الجانبان باتا أكثر وضوحا من أي وقت مضى : أمريكا، تركيا، قطر و السعودية ضد سوريا، إيران، حزب الله و روسيا. في نفس السياق، يجب التذكير أن منظمة حماس غيرت مؤخرا ولائها من القطب الإيراني إلى تركيا، قبيل زيارة إسماعيل هنية إلى تونس، و إلا لوجب تصنيفها مع الشق الأول.
في خضم كل هذه المعطيات، و خاصة بعد تصريحات المراقبين العرب الذي خيب آمال الجامعة العربية (و يجب التذكير هنا أن هؤلاء كمشة كرايك طحانة عند أمريكا و إسرائيل ما نجموا يعملوا شيء لفلسطين من اللي وعينا على الدنيا) في اعطائها الغطاء الشرعي اللازم لطلب تدخل عسكري دولي في سوريا (و يا مرحبا بجرذان الناتو، صلوا جماعة، صلوا جماعة، سلوا كلاشاتهم لماعة)، يأتي قرار الحكومة التونسية المؤقتة بطرد السفير السوري في تونس و سحب الإعتراف بنظام بشار الأسد. قرار في غاية الجرأة و الخطورة، و يعكس موقفا شديد الوضوح في التموقع الجلي إلى جوار أحد أطراف الصراع ضد الطرف الآخر بصفة جذرية و نهائية، خاصة و أننا نكون بهذا أول بلاد في العالم تقوم بذلك.
أكيد أن الكثيرين سيفرحون و يفخرون بهذا القرار، و لهم الحق في ذلك، لأن الفظاعات التي ارتكبها النظام السوري (و حتى الليبي سابقا) في حق شعبه فاقت كل الحدود. سيرون في هذا الموقف تجسيما و وفاء لروح الثورة التونسية الرائدة، لأنّه "من الطبيعي أن تسبق تونس الجميع في هذه الخطوة لأنّ تونس بعد الثورة مثال يحتذى به و لا تحتذي بأحد"، حسب تعبير السيد وزير الخارجية رفيق عبد السلام. أضف إلى هذا الحمية الثورية و الغضب و روح التضامن المتقدة في أفئدة عديد التونسيين منذ أكثر من سنة، و إلتفاف معظم أنصار الحكومة الحالية حول قرارات هذه الأخيرة و مساندتهم المطلقة لها دون أي تفكير أو مراجعة، تجد أن هذا التوجه شعبوي بإمتياز، يخاطب مشاعر الجماهير و حسها الإنساني قبل أي شيء آخر. و هنا، لا يجب أن ننسى الدور الكبير التي لعبته صفحات الفايسبوك الموالية للحزب الحاكم في تجييش المواطنين و استنفارهم من أجل مظاهرة اليوم المطالبة بطرد السفير السوري، مما يعطي للقرار الذي جاء في نفس اليوم غطاءا من الشرعية و المساندة للإرادة الشعبية. و لكن ماذا عن مصلحة هذا الوطن و مستقبله على المدى القريب و البعيد ؟
يجب الإقرار أن تاريخ اليوم يعتبر بداية لتحول جذري في السياسة الخارجية التونسية، التي حافظت إلى حد الآن على تموقع محايد نسبيا على الخارطة السياسية الإقليمية، و ذلك حتى خلال الأزمة الليبية الأخيرة. هذا التوجه لم يمكننا إلى حد الآن من لعب دور مهم على الساحة الديبلوماسية العالمية (وهو شيء طبيعي نظرا لميزان القوى الفاعلة فيها)، و لكنه سمح لنا بالحفاظ على إستقرار نسبي على الجانبين الديبلوماسي و الأمني، و بتفادي الأزمات التي تنتج عادة عن السجالات بين مختلف الراغبين في السيطرة على السيادة الوطنية.
القطع مع هذا التوجه سينجم عنه اهتزازات عدة ليس التوتر المتوقع لعلاقتنا مع الطرف المقابل أقلها (فكروا أيضا في كل من روسيا و الصين). كان يجب التفكير في أمن مواطنينا في سوريا، خاصة و نحن نعرف دموية النظام هناك، و قد شاهدنا جميعا كيف أن عصابات "الشبيحة" النظامية تجعل ميليشيات التجمع تبدو أمامها مثل كورال الأطفال، و هي أقرب إلى الخمير الحمر الكمبوديين سيئي الذكر. هل فكرت حكومتنا العتيدة في إجلاء مواطنيها من سوريا قبل إتخاذ قرارها الأرعن ؟ هل تعتبر أرواح هؤلاء أمرا ثانويا أمام استعجالية وجوب إتخاذ القرار ؟
طبعا لن نتحدث هنا عن إمكانية (بل و لزومية) تضاعف تحركات أجهزة المخابرات الأجنبية على ارضنا من هنا فصاعدا، و اتمنى حقيقة أن لا يكون ماهر الأسد بصدد دراسة بعض الملفات حول هذه المنطقة من شمال إفريقيا في هذه الأثناء. لن نتحدث أيضا عن الوضع الأمني الحالي في تونس، عن التوتر على الحدود، عن تحركات المجموعات المسلحة في الجنوب، عن الأزمة الدائرة بين نقابات أعوان الأمن و الحكومة، و عن تواصل موسم التخفيضات أو "الصولد" في قطاع السلاح... لن نتحدث أيضا عن أحقية هذه الحكومة المؤقتة (و كلنا يعلم مدى كره مسؤوليها لهذا النعت) في التحكم في مستقبل علاقات تونس الدولية و مصير شعبها بهذه الطريقة، بينما كان المفروض أن يكتفوا بتسيير الأعمال حتى يتنتهي المجلس التأسيسي من صياغة الدستور و إعداد الإنتخابات التشريعية أو الرئاسية.. لن نتحدث أيضا على اتخاذها مثل هذا القرار دون رجوع إلى هذا المجلس، و هو السلطة الوحيدة المنتخبة مباشرة من طرف الشعب، مقارنة بالحكومة التي -حتى و إن لم يكن هناك أدنى شك في شرعيتها- فهي تبقى بالكامل تحت السيطرة السياسية المطلقة ل40% فقط من ممثلي هذا المجلس !
أخيرا، من الممكن أيضا أن نفترض حسن النية، و لو كان هذا من باب السذاجة ليس إلا، و نستنتج أن تونس ستصير من هنا فصاعدا بلدا "ثوريا" (للأسف، لا أجد هنا أمثلة جديرة بالذكر غير ليبيا و فنزويلا، أما خلينا نكملو نمشيوها سذاجة)، ينحاز إلى حقوق الشعوب المقهورة ضد حكامها و تدافع عن حريتها و كرامتها. في هذه الحالة، سندهش لعدم صدور أي موقف للحكومة الحالية حول القمع الوحشي و التقتيل و التعذيب الذي تمارسه الحكومة البحرينية في حق شعبها، بمشاركة "قوات درع الجزيرة"، أو القوة العسكرية لمجلس التعاون الخليجي، أي بمبادرة من السعودية و قطر و الإمارات العربية المتحدة، على سبيل الذكر لا الحصر. على كل حال، سنتمنى أن نكون مخطئين، و أن تفاجئنا حكومتنا بمساندة واضحة لا غبار عليها لكل الشعوب المنتفضة ضد الظلم و القمع و إمتهان كرامة الإنسان...
في إنتظار ذلك، لا يسعنا إلا مساندة الشعب السوري الشقيق مساندة مطلقة في كفاحه ضد جلاديه، مساندة شعب لشعب، بعيدا عن الصفقات الديبلوماسية و الشعارات الغوغائية، و كما قال المرحوم إبراهيم قاشوش : بدنا نشيلو لبشار و بهمتنا القوية، سورية بدها حرية، سورية بدها حرية...
لكن في المقابل، يبدو جليا لكل مراقب يقظ أن ما يحصل الآن في سوريا من نزاعات مسلحة و التغطية الإعلامية الحافلة بالتهويل و الفبركة لقناتي الجزيرة و العربية (يعني قطر و السعودية) مع إحتضان تركيا و قطر (حلفاء أمريكا الإستراتيجيين في المنطقة، حاضنو قواعدها العسكرية) للمعارضة السورية، كل هذا يبرز أن سيناريو ليبيا بصدد التكرار، و أن الولايات المتحدة الأمريكية تواصل تشكيل خارطة الشرق الأوسط الجديد، و الجانبان باتا أكثر وضوحا من أي وقت مضى : أمريكا، تركيا، قطر و السعودية ضد سوريا، إيران، حزب الله و روسيا. في نفس السياق، يجب التذكير أن منظمة حماس غيرت مؤخرا ولائها من القطب الإيراني إلى تركيا، قبيل زيارة إسماعيل هنية إلى تونس، و إلا لوجب تصنيفها مع الشق الأول.
في خضم كل هذه المعطيات، و خاصة بعد تصريحات المراقبين العرب الذي خيب آمال الجامعة العربية (و يجب التذكير هنا أن هؤلاء كمشة كرايك طحانة عند أمريكا و إسرائيل ما نجموا يعملوا شيء لفلسطين من اللي وعينا على الدنيا) في اعطائها الغطاء الشرعي اللازم لطلب تدخل عسكري دولي في سوريا (و يا مرحبا بجرذان الناتو، صلوا جماعة، صلوا جماعة، سلوا كلاشاتهم لماعة)، يأتي قرار الحكومة التونسية المؤقتة بطرد السفير السوري في تونس و سحب الإعتراف بنظام بشار الأسد. قرار في غاية الجرأة و الخطورة، و يعكس موقفا شديد الوضوح في التموقع الجلي إلى جوار أحد أطراف الصراع ضد الطرف الآخر بصفة جذرية و نهائية، خاصة و أننا نكون بهذا أول بلاد في العالم تقوم بذلك.أكيد أن الكثيرين سيفرحون و يفخرون بهذا القرار، و لهم الحق في ذلك، لأن الفظاعات التي ارتكبها النظام السوري (و حتى الليبي سابقا) في حق شعبه فاقت كل الحدود. سيرون في هذا الموقف تجسيما و وفاء لروح الثورة التونسية الرائدة، لأنّه "من الطبيعي أن تسبق تونس الجميع في هذه الخطوة لأنّ تونس بعد الثورة مثال يحتذى به و لا تحتذي بأحد"، حسب تعبير السيد وزير الخارجية رفيق عبد السلام. أضف إلى هذا الحمية الثورية و الغضب و روح التضامن المتقدة في أفئدة عديد التونسيين منذ أكثر من سنة، و إلتفاف معظم أنصار الحكومة الحالية حول قرارات هذه الأخيرة و مساندتهم المطلقة لها دون أي تفكير أو مراجعة، تجد أن هذا التوجه شعبوي بإمتياز، يخاطب مشاعر الجماهير و حسها الإنساني قبل أي شيء آخر. و هنا، لا يجب أن ننسى الدور الكبير التي لعبته صفحات الفايسبوك الموالية للحزب الحاكم في تجييش المواطنين و استنفارهم من أجل مظاهرة اليوم المطالبة بطرد السفير السوري، مما يعطي للقرار الذي جاء في نفس اليوم غطاءا من الشرعية و المساندة للإرادة الشعبية. و لكن ماذا عن مصلحة هذا الوطن و مستقبله على المدى القريب و البعيد ؟
يجب الإقرار أن تاريخ اليوم يعتبر بداية لتحول جذري في السياسة الخارجية التونسية، التي حافظت إلى حد الآن على تموقع محايد نسبيا على الخارطة السياسية الإقليمية، و ذلك حتى خلال الأزمة الليبية الأخيرة. هذا التوجه لم يمكننا إلى حد الآن من لعب دور مهم على الساحة الديبلوماسية العالمية (وهو شيء طبيعي نظرا لميزان القوى الفاعلة فيها)، و لكنه سمح لنا بالحفاظ على إستقرار نسبي على الجانبين الديبلوماسي و الأمني، و بتفادي الأزمات التي تنتج عادة عن السجالات بين مختلف الراغبين في السيطرة على السيادة الوطنية.
القطع مع هذا التوجه سينجم عنه اهتزازات عدة ليس التوتر المتوقع لعلاقتنا مع الطرف المقابل أقلها (فكروا أيضا في كل من روسيا و الصين). كان يجب التفكير في أمن مواطنينا في سوريا، خاصة و نحن نعرف دموية النظام هناك، و قد شاهدنا جميعا كيف أن عصابات "الشبيحة" النظامية تجعل ميليشيات التجمع تبدو أمامها مثل كورال الأطفال، و هي أقرب إلى الخمير الحمر الكمبوديين سيئي الذكر. هل فكرت حكومتنا العتيدة في إجلاء مواطنيها من سوريا قبل إتخاذ قرارها الأرعن ؟ هل تعتبر أرواح هؤلاء أمرا ثانويا أمام استعجالية وجوب إتخاذ القرار ؟
طبعا لن نتحدث هنا عن إمكانية (بل و لزومية) تضاعف تحركات أجهزة المخابرات الأجنبية على ارضنا من هنا فصاعدا، و اتمنى حقيقة أن لا يكون ماهر الأسد بصدد دراسة بعض الملفات حول هذه المنطقة من شمال إفريقيا في هذه الأثناء. لن نتحدث أيضا عن الوضع الأمني الحالي في تونس، عن التوتر على الحدود، عن تحركات المجموعات المسلحة في الجنوب، عن الأزمة الدائرة بين نقابات أعوان الأمن و الحكومة، و عن تواصل موسم التخفيضات أو "الصولد" في قطاع السلاح... لن نتحدث أيضا عن أحقية هذه الحكومة المؤقتة (و كلنا يعلم مدى كره مسؤوليها لهذا النعت) في التحكم في مستقبل علاقات تونس الدولية و مصير شعبها بهذه الطريقة، بينما كان المفروض أن يكتفوا بتسيير الأعمال حتى يتنتهي المجلس التأسيسي من صياغة الدستور و إعداد الإنتخابات التشريعية أو الرئاسية.. لن نتحدث أيضا على اتخاذها مثل هذا القرار دون رجوع إلى هذا المجلس، و هو السلطة الوحيدة المنتخبة مباشرة من طرف الشعب، مقارنة بالحكومة التي -حتى و إن لم يكن هناك أدنى شك في شرعيتها- فهي تبقى بالكامل تحت السيطرة السياسية المطلقة ل40% فقط من ممثلي هذا المجلس !
أخيرا، من الممكن أيضا أن نفترض حسن النية، و لو كان هذا من باب السذاجة ليس إلا، و نستنتج أن تونس ستصير من هنا فصاعدا بلدا "ثوريا" (للأسف، لا أجد هنا أمثلة جديرة بالذكر غير ليبيا و فنزويلا، أما خلينا نكملو نمشيوها سذاجة)، ينحاز إلى حقوق الشعوب المقهورة ضد حكامها و تدافع عن حريتها و كرامتها. في هذه الحالة، سندهش لعدم صدور أي موقف للحكومة الحالية حول القمع الوحشي و التقتيل و التعذيب الذي تمارسه الحكومة البحرينية في حق شعبها، بمشاركة "قوات درع الجزيرة"، أو القوة العسكرية لمجلس التعاون الخليجي، أي بمبادرة من السعودية و قطر و الإمارات العربية المتحدة، على سبيل الذكر لا الحصر. على كل حال، سنتمنى أن نكون مخطئين، و أن تفاجئنا حكومتنا بمساندة واضحة لا غبار عليها لكل الشعوب المنتفضة ضد الظلم و القمع و إمتهان كرامة الإنسان...
في إنتظار ذلك، لا يسعنا إلا مساندة الشعب السوري الشقيق مساندة مطلقة في كفاحه ضد جلاديه، مساندة شعب لشعب، بعيدا عن الصفقات الديبلوماسية و الشعارات الغوغائية، و كما قال المرحوم إبراهيم قاشوش : بدنا نشيلو لبشار و بهمتنا القوية، سورية بدها حرية، سورية بدها حرية...










